وانقلب السحر
لم أحاول يوماً أن أتكلم لأطفالي عن
القومية العربية،
ولا أذكر أني تطرقت إلى معانيها ولا
حتى إلى حروفها الأبجدية لهم,
لكنهم أصبحوا قوميين يميلون إلى
عروبتهم ويعتزون بها!
ليس الأمر غريباً،
فقد دعوتهم إليها – غير قاصد – بأعمالي
لا بلساني،
فهم يرون أن قناتي المفضلة هي
(المستقلة)،
أتابع أخبار العرب من خلال القنوات
الفضائية والإنترنت، وأتألم بما يحدث في العراق
وفلسطين والسودان والصومال والأحواز.
حتى أصبحوا يتابعون بعض البرامج السياسية
برفقتي!
في الأمس مثلاً، أشعل أحدهم التلفاز
ووجد محمود أحمد الأحوازي يتكلم في المستقلة، فركض
نحو حجرتي واقتحمها دون إذن مني، ودعاني إلى
المتابعة قائلاً:
أبي ...أبي .... برنامج عن الأحواز!
وفي السنة الدراسية الماضية، كان أحدهم
يتشكى من معلمته الفارسية كلما رجع من المدرسة
بأنها تهين العرب وتعتبرهم متخلفين ولا يحسنون
التصرف!
وكنت أؤوّل
تهجمها على غير المحمل الذي تقصده وأوصى ولدي
الصغير بإحترامها وأكرر عليه شعر أحمد شوقي (كاد
المعلم أن يكون رسولاً) حتى حفظه عن ظهر قلبه.
وخلال السنة الدراسية، دعت تلك المعلمة
المحترمة أولياء أمور تلاميذها لتعقد معهم جلسة
توجيهية.
وحضرت أنا مع المدعوين، فقالت لنا دون
أن تراعي مشاعر الحضور وكان معظمهم من العرب:
إن الثقافة العربية التي أبتلينا بها
نحن الإيرانيون ثقافة تافهة، لا تعلم الأطفال سوى
الحقد والكره و الإساءة للآخرين!
لا تعلمهم سوى الأخلاق المشين!
والشتائم البذيئة!
ولهذا فإني أوصيكم أن تبعدوا أبناءكم
عن هذه الثقافة المتخلفة، التي تؤخرهم عن الترقي
والوصول إلى قمم النجاح!
ثم تطرقت إلى أعراب الجاهلية الذين
كانوا يقتلون بناتهم!
ثم إلى الطوائف العربية التي كانت
تتحارب ضد بعضها!
وأن الأعراب كانوا ينهبون ويسلبون
ويعتدون!
ويأكلون الجراد!
ولم تدع تلك المعلمة المحترمة سيئة إلا
ونسبتها للعرب!
ثم قالت في عجب:
كيف يشرف بعض الأحوازيين أن ينسبوا
أنفسهم إلى العرب ذوي التأريخ الأسود، والمصائب
والنوائب؟!
أنا لا يمكنني أن أقارن تلميذاً فارسياً مع
تلميذ عربي من حيث التربية!
فلا شك وكما تعلمون أن تلاميذ الفرس
أفضل بكثير، فهم أنيقون مؤدبون مهذبون!
كنت على وشك أن أجيبها على كل الترهات
التي تفوهت بها عن جهل أو حقد،
ولم أنتبه أن العرب الجالسين كانوا قد
هيئوا ردودهم على كل ما قالته تلك المعلمة
الفارسية،
فثارت همهمة بين الحضور ..... كل يريد
أن يرد على المعلمة التي أهانت الجالسين وحقرتهم،
وأخيراً نهضت سيدة عربية موقرة مؤدبة
وهمت بعد أن إستأذنت من الحضور ومن المعلمة
الفارسية أن تتكلم....وقبل أن تتكلم السيدة، دخل
تلميذ فارسي!
وصرخ بأعلى صوته مخاطباً المعلمة:
ألم تقولي أن الجلسة لن تستغرق إلا
بضعة دقائق؟!
ألم أقل لك أني أتضرع من الجوع؟!
تباً لك وللمدير الذي يرأسك ولجميع
الجالسين!
عرفنا أن التلميذ كان إبن المعلمة
المحترمة!
بقينا مدهوشين في جلستنا وبقت السيدة
العربية واقفة تنظر بإستغراب،
حاولت المعلمة أن تسكت إبنها وتخرجه من
الجلسة، لكنه إنسال عليها بالشتائم المخزية:
بنت الكلب! قحبة!! فاسدة!!!
وفي تلك اللحظة التي تمنينا جميعنا عدم
الحضور فيها كي لا نشاهد ما يحزننا ويفضح المعلمة
التي فقدت صبرها وتاه عنان سيطرتها على أعصابها
وانهالت على الطفل بالضرب!
تسطره على خده فيشتمها، فترد الشتائم
عليه، ثم تضربه بحقيبتها فيتخلص من مخالبها
ويهرب!
وكم خجلنا من النساء اللواتي كن قد
حضرن في الجلسة التوجيهية عندما بدأ الإبن يقسم
شتائمه لأمه بالتفصيل لجميع أعضاء جسدها!
شتائم لم يسمع بها أطفالي من قبل...
ولا حتى أنا، قبيحة ومؤلمة، لا يتفوه بها إلا
الغاطسون بالفساد الأخلاقي حتى هامة رؤوسهم.
راح إبن المعلمة العنصرية يركض وتركض
أمه خلفه، يتشاتمان ويتراميان الحجر علي بعضهما!
وانتهت الجلسة بعد ما تعذر المدير من
المدعوين.
وعندما وصلت إلى البيت سألني إبني عن
الإرشادات التي علمتنا إياها معلمته!
فتبسمت وهربت من الإجابة على سؤاله كما
يفعل الآباء أحياناً.
عادل العابر – الأحواز المحتلة
31/07/2008
قصص
قصيرة جداً (11)
1 - النصيحة
خاطب أبناءه ينصحهم: إياكم
والكذب، فإنه صراط إلى التهلكة.
وقال الإمام علي عليه السلام:
(الكاذب مهان ذليل).
وقبل أن يكمل كلامه، وفيما هم
سائرون تعرضت لهم سيارة الشرطة،
فسألوه: نطارد عربياً راكباً
دراجة نارية مرتدياً كوفية حمراء، هل رأيته؟
قال: كلا.
وبعد أن تحركت سيارتهم، قال
الأبناء معترضين:
لقد كذبت، لأنك رأيته، ألم تخف
من التهلكة والإهانة والذلة؟
فتابع الأب قوله: وأما تكملة
توصيتي لكم أيها الأعزاء،
فاعلموا (إن الله لا يحب
الكاذبين)، إذن الكذب محظور في شريعتنا الإسلامية.
ولكن ... إلا على رجال الحكومة!
2 – الوليمة
كنت مدعواً في وليمة،
وجلبت إبني ذا السادسة معي،
ولما بدأ المدعوون بتناول
الطعام، إنتبه الطفل لصلصلة الملاعق والأشواك
وصاخر الصحون وهي تصطدم ببعضها!
فنظر نحوي وقال:
كأنها حرب!!!
ثم تابع ببراءة وكأنه تذكر
كارتون زورو:
لو كانت حرباً طاحنة لكان صوت
اصطدام السيوف والرماح والأتراس أعلى بكثير!
ثم أراد أن يطمئن من صحة قوله
فسألني: أليس كذلك يا أبي؟!
أجبته بكل تأكيد: كلا!
رفع الطفل حاجبيه مستغرباً،
ولا مراء أنه لم يستوعب معنى (الشجاعة والجبن)
و(الحرية والإستسلام) بعد.
3 – المصالح
بدل إسمه إلى (محمد اردشير)
وإسم عائلته إلى (تميمي آزادمنش)!
فكان يكتب تحت صوره في الحملات
الإنتخابية (محمد التميمي)!
وعندما يفوز وتطأ قدماه
العاصمة طهران يعرف بـ (اردشير آزادمنش)!
عادل العابر – الأحواز المحتلة
11/07/2008