اِستهداف مقومات الـنضال الأحـوازي

 

ككـُل الشعوب الرازحة تحت الاحتلال الأجنبي،يعتمد الأحوازيّون في نضالهم ضد الاحتلال الإيراني الفارسي على مقومات عدّة،تغذي نضالهم المرير والطويل الذي تجاوز العقود الثمانية، غير آبهين بشراسة عدوّهم وأساليبه الإجراميّة التي استهدفت بشكل خاص ركائز هذا النضال. فتمكـّنوا من إحباط  المخطّطات الإيرانيّة الرامية إلى كسر عزيمتهم،ليؤكدوا بوضوح بأنهم فوق كل التحديّات والمخاطر .

 

والعوامل التي اعتمدها الأحوازيّون في نضالهم الطويل،ساهمت إلى حدّ كبير في تأجيج المشاعر الوطنيّة لدى الجماهير الأحوازيّة الثائرة على المظالم الإيرانية،ومن أبرز هذه العوامل يمكننا الوقوف عند ثلاثة منها هي "الدين الإسلامي الحنيف"و"القوميّة العربيّة" و"الوطن الأحوازي". وفي محاولة فاشلة استهدفت الدولة الإيرانيّة هذه العوامل الثلاث على حدٍ سواء،وبالمقابل كانت الحركة الوطنيّة الأحوازيّة يقظة تماماً في تصدّيها لمخطّطات الدولة الإيرانيّة المبنيّة على أساس: أما مذهبي شيعي صفوي،أو عرقي فارسي عنصري،أو إستراتيجية توسعيّة.

 

أولاً: العامل الديني:

 

لا ريب أن الغالبية الساحقة من أبناء الشعب العربي الأحوازي هم مسلمين،إضافة إلى وجود أقليات "مسيحيّة"و"صابئية" عربية تعيش جنباً إلى جنب مع بقية أفراد المجتمع منذ أقدم العصور.وبإعتناق غالبية الأحوازيين المذهب الشيعي في أوقات متأخرة وبقيام الدولة العربية المشعشعية التي حكمت في الأحواز منذ عام 1436م حتى عام 1724م،لم تخرج العلاقة بين هذه الدولة الشيعية والدولة الفارسية الشيعية عن مجرّد علاقة روحانيّة شبيهة إلى حدّ ما تلك العلاقة الروحانية التي ربطت مصر العربية بالدولة العثمانية.

 

ووقوع الدولة العربية الأحوازية تحت نير احتلال الدولة الفارسية عام 1925،جاء كنتيجة حتميّة للصراع العربي – الفارسي(الصراع القومي)،وحب التوسع والطمع في الهيمنة على أراضي الغير من قبل الدولة الإيرانية،وامتداد طبيعي للفتوحات العربية الإسلامية في بلاد فارس والذي يعتبرها الفرس على أنها "احتلال" العرب لبلادهم، محاولين بذلك إبعاد الطابع الديني عن طبيعة هذا الامتداد الكبير للدولة العربية الإسلامية في ذلك الوقت.

 

ولعلّ تستـّر العدو الفارسي المحتل خلف الدين الإسلامي الحنيف،خلق إشكالية كبيرة في مفهومي الجهاد والشهادة لدى الأحوازيين من ناحية،واعتناق المذهب الشيعي (الصفوي) كمذهب رسمي للدولة في إيران،خلق إشكالية أخرى في تلقي الحركة الوطنية الأحوازية الدعم العربي والإسلامي لتدعيم قدراتها النضالية من الناحية الأخرى.على العكس من القضية الفلسطينية العادلة التي تلقت الكثير من الدعم من العرب والمسلمين على حد سواء بسبب وجود أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين "القدس الشريف"في الأراضي الفلسطينية،ناهيك عن كون العدو الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين يهودياً وليس مسلماً،عبرياً وليس عربياً.

 

والمعروف أن المشهد الديني الأحوازي اليوم يشهد حالة تغيير لدى الكثير من أبناء الشعب،وعلى وجه الخصوص جيل الشباب،ويتسم هذا التغيير بالميول إلى المذهب السني عوضاً عن المذهب الشيعي،ويوعز البعض أسباب هذا التغيير إلى التشويه الكبير الذي لحق بالمذهب الشيعي من قبل الدولة الإيرانية الفارسية من ناحية،ومن الناحية الأخرى ينظر البعض هذا التغيير على أساس انه خطوة تصحيحية دينية،يمكن إدراجها ضمن الحريّات المدنيّة التي تنصُ عليها المواثيق الدولية، بما في ذلك حريّة المعتقد.

 

وتنكراً منها لحرية المعتقد،وبغرض إضعاف العامل الديني لدى الأحوازيين،قدمت الدولة الإيرانية على إعدام العديد من الأحوازيين الذين ابدوا ميولاً واضحاً تجاه المذهب السُـنـّي،بعد أن نسبت إليهم تهماً جاهزة،كالوهابيين والتكفيريين.وإذا كان الحد في الدين الإسلامي الحنيف يُـقام على المرتد،فان ما تـُسمّى بالجمهورية الإسلامية الإيرانية،تقيم الحد على المسلم الذي يرفض التحريف المذهبي الفارسي الصفوي،ويبدو ميولاً نحو المذهب السنـّي.

 

وبنسبها تهمة الإرهابي أو الوهابي أو التكفيري إلى الحركة الوطنية الأحوازية،تستغل الدولة الإيرانية الظروف الدولية التي أفرزتها تداعيات تفجير برجي التجارة الدولية في نيويورك عام 2001 والمنسوبة إلى تنظيم القاعدة الذي عُرف بتطرفه الديني،وإيواء حركة الطالبان الأفغانية - المغالية في الدين- لهذا التنظيم الإسلامي المتطرف، ناهيك عن تفريخ هذا التنظيم عدّة مجموعات وخلايا متطرفة في عدّة أماكن في العالم،قامت ببعض العمليات الإرهابية جلبت عليها وعلى سائر المسلمين شتى أنواع التهم،وتأتي تهمة الإرهاب في مقدمتها.

 

ولكن في المقابل،فان الدولة الإيرانية تعتمد إلى حد كبير على توظيف العامل الديني ولكن على طريقتها الخاصة بها،إذ تنفرد الأخيرة بالمذهب الشيعي الصفوي الذي يشكل أهم ركائز هذه الدولة،والمغالاة في المذهب الشيعي الصفوي دفع بما تسمّى بالجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العمل على تبنـّي شعار تصدير الثورة الإسلامية إلى العديد من البلدان المجاورة وحتى البعيدة،ونشر الإرهاب الفكري هنا وهناك.ناهيك عن اعتماد الدولة الإيرانية على القومية الفارسية إلى ابعد الحدود،باعتبارها جزء لا يتجزأ من مقومات هذه الدولة الفارسية العنصرية.

 

ويمكن الإشارة هنا إلى أن أشهر الحركات المتطرفة في الإسلام،سُـنـيّة كانت أو شيعيّة، قد ظهرت في البلدين الفارسيين الوحيدين في العالم هُما أفغانستان وإيران. وبذلك يكون الفرس قد ساهموا إلى ابعد الحدود في تشويه سمعة الإسلام،بلغت إلى حد الكراهية والنفور في الكثير من الحالات،إضافة إلى التصاق تهمة الإرهاب بالإسلام خاصة في بعض المجتمعات الغربية التي لم تأخذ من القرآن الكريم شيئاً عدى تلك الآية التي تقول: "واعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"،وبإضافة مفهوم "الجهاد"،فقد تمّ اعتبار الدين الإسلامي الحنيف من قبل البعض،على أساس انه ديناً إرهابياً،وهذا غير صحيح بطبيعة الحال.

 

ونخلص إلى القول،إن العامل الديني،وهو أحد أهم العوامل المغذية للنضال الأحوازي، أصبح مستهدفاً بشكل واضح من قبل الدولة الإيرانية،ويساعدها في ذلك استهداف هذا العامل والترويج السلبي له،بلغ إلى حد التعبير الذي ورد في زلة لسان الرئيس بوش حين بيّن بأننا سنشن عليهم حرباً صليبيّة،أو ذلك التهكّم الذي ورد على لسان رئيس الوزراء الايطالي السابق برلسكوني،أو بابا الفاتكينان الحالي،أو الصور المسيئة لشخص الرسول محمّد (ص) والتي نشرتها جريدة دنماركية.

 

ثانيا: العامل القومي:

 

يعد العامل القومي من ابرز مكونات النضال بالنسبة إلى مختلف الشعوب،بما في ذلك الشعب العربي الأحوازي الذي تصدّى لجميع مخططات العدو الإيراني الرامية إلى محو هويته العربية وطمس معالمها.فأوجه الاختلاف الكثيرة والهوة الواسعة الفاصلة بين القوميتين العربية والفارسية جعلت من الشعب العربي الأحوازي يبدو استماتة شديدة في رفضه الانصهار في بوتقة قوميّة فارسية مشبّعة بالأفكار العنصرية.

 

ولم يجد الأحوازيون أدنى فروقات تفصلهم عن العالم العربي،ويعبّرون عن وطنهم "الأحواز"على أساس انه امتداد طبيعي للوطن العربي عموماً ولسهل وادي الرافدين خصوصاً،إذ لا فرق بين الأحواز والجنوب العراقي لا من حيث العادات والتقاليد أو البيئة والمناخ والطبيعة والجغرافيا والتاريخ،أو حتى في طريقة الاستهلاك اليومي،ويأمل الأحوازيون على الدوام بأن تكون الحدود الفاصلة بينهم وبين الجنوب العراقي،حدود جغرافية لا حدود سياسيّة تتحكم بها الأنظمة الحاكمة في المنطقة.وان الادعاء بان لا علاقة للأحواز بالعراق إنما يدفع باتجاه مشبوه قد يعني فصل الأحوازعن الوطن العربي وبالتالي يساهم في إلغاء عروبتها.

 

ومن خلال الحصار الشديد الذي تفرضه الدولة الإيرانية على الأحواز إنما تهدف إلى عزل الأحواز عن الوطن العربي وقطع أواصر الإخوة بينهما. ورغم ذلك فان العامل القومي لدى الأحوازيون ظلّ من أقوى ما يكون،ويمكن المراهنة عليه للذود عن كرامة الوطن وحتى الأمة بأكملها من الهجمة الفارسية العنصرية الشرسة. إذ تمسّك الأحوازيّون بعروبتهم على الدوام،متصدّين لكافة المحاولات الإيرانيّة الرامية إلى إلغائها،وبدافع وطني أحوازي وقومي عربي،استمر الأحوازيون في نضالهم ضد الدولة الإيرانية الفارسية المحتلة.

 

والتهمة التي كانت تلاحقهم من قبل الدولة الإيرانية على الدوام هي "الشعب العربي" أو كما يعبّر عنه بالفارسية "خلق عرب"،وفي الكثير من الحالات كانت هذه التهمة كافية للاعتقال والتعذيب والمطاردة والملاحقة وحتى الإعدام. ورغم الحصار ورغم المعاناة والحرمان ورغم المظالم والمخاطر الشديدة الناجمة عن التمسك بالعامل القومي،إلا أن المواطنين الأحوازيين تفنـنوا في تحدي المخاطر واختراق الحواجز للحفاظ على لغتهم العربية وتطويرها،مؤكدين بذلك استماتتهم في الدفاع عن ارثهم الحضاري العربي،وعن انتمائهم القومي،والشيء الذي يؤكد صحة هذه الأقوال،هو قدوم الدولة الإيرانية على إعدام العديد من القوميين الأحوازيين،ومحاربة هذا التيار بمنتهى العنف والشراسة.

 

ولعل ما يطرحه العديد من المناضلين الأحوازيين من حيث المبدأ،يؤكد مدى الانتماء القومي العربي الأحوازي،إذ يقول د.عبد الله حويّس:"إن الشعب العربي الأحوازي قومي بالفطرة حتى وان لم يكن بالفكرة"،ويرى أحمد الأحوازي:"إن الأحوازيين قوميين بفطرتهم والتاريخ القديم والمعاصر وكذلك الحاضر يؤكد ذلك بوضوح"،ويبين أبو أياد الأحوازي:"إن العروبة بمثابة الأوكسيجن الذي تتنفس من خلاله القضيّة الأحوازيّة"، ويقول طالب المذخور:"لا يمكن أن يكون الحل للقضية الأحوازية،إلا عربياً"،ويؤكد عادل السويدي:"إن أي محاولة لإبعاد القضية الأحوازية عن إطارها القومي العربي،إنما يعد ضرباً من الجنون".

 

ورغم الإهمال الرسمي العربي للقضيّة العربيّة الأحوازيّة،وعدم تفعيل ميثاق جامعة الدول العربية،بما في ذلك البند المتعلق بالدفاع العربي المشترك،إلا أن الوطني في الأحواز،يعبّرعنه بالقومي لدى سائر المواطنين الأحوازيين،وان قدوم الدولة الإيرانية على جلب تلك العناصر الناطقة باللهجتين العراقية واللبنانية ذوي الأصول الفارسيّة لقمع "انتفاضة الإرادة الأحوازية الباسلة" عام 2005،يعد دليلاً قاطعاً على استهداف "العامل القومي"لدى المواطنين الأحوازيين،خاصة حين يرون أن من يقمعهم،يتحدث باللغة العربية،وبالتالي يمكننا القول إن من يحاول استهداف العامل القومي لدى الأحوازيين،لا يضم صوته إلى صوت الدولة الإيرانية فحسب،إنما يضم سوطه إلى أسياط الجلادين الإيرانيين ليعمّـق الجرح في نفوس المناضلين الأحوازيين.

 

العامل الوطني:

 

لا يقل العامل الوطني أهمية عن عاملي القوميّة والدين في نضال الشعوب، وكان لهذا العامل بالغ التأثير في النضال الأحوازي ضد الاحتلال الإيراني،إذ أكد الأحوازيون على مرّ التاريخ بأنهم أهل للذود عن حياض الوطن الأحوازي، فبذلوا الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ عليه،لتسيل الكثير من الدماء الأحوازية لإضفاء طهارة على طهارة هذا الوطن.

 

ورغم محاولات الدولة الإيرانية الجادة لتقطيع أوصال الأحواز،وأعمال السلب والنهب في الأراضي واقتطاع مساحات شاسعة من هذا الوطن وإلحاقها بالأقاليم الإيرانية المجاورة،إلا أن الأحوازيون ظلوا متمسكين بحدود وطنهم المعروفة قانونياً،والبالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع،أي تلك المساحة التي بسطت عليها الدولة العربية في الأحواز كامل سيادتها طيلة اقل من قرنين من الزمن،وقد سبقتها الدولة العربية المشعشعية التي تمتعت بسلطة كاملة على تراب الوطن.

 

وعلى مـَرّ التاريخ لم يعرف المواطن الأحوازي وطناً آخراً غير وطنه المتصل بالوطن العربي والذي تفصله عن بلاد فارس سلسلة جبال زاجروس،الأمر الذي اكتسب الأحوازيون من خلاله صفة الشعب وفقاً لما ينصّ عليه القانون الدولي. إذ التصق النضال الأحوازي بهذه المساحة الجغرافيّة الواضحة الحدود والمعالم للدفاع عنها طيلة أكثر من اثنان وثمانون عاماً من الاحتلال الإيراني.

 

وبحكم الاستيطان،تمنـّى العديد من المستوطنين الفرس بأن تصبح الأحواز وطناً لهم، إلا أن الرفض الأحوازي الدائم لسيطرة الأجنبي،ونظرة التعالي والعنصرية التي يحملها المستوطن الفارسي في الإقليم،جعلت من هذا المستوطن بأن لا يرتقي إلى مستوى المواطن،فولدت لديه شعور دائم بان الأحواز،مجرّد بقرة حلوب تدرّ عليه بالأموال بما تملكه من ثروات هائلة،إذ ترسّخت في ذهنه عقلية السلب والنهب والاستغلال الجائر لجميع الثروات في باطن الأحواز،على عكس المواطن الأحوازي الذي اضطرّ في بعض الحالات إلى الإقامة القسريّة في إحدى المدن الفارسيّة، إلا انه ظلّ يعد الأيام والساعات، على أمل لعودة إلى وطنه الأم.

 

إن تمسّك المواطن الأحوازي بوطنـيـّّـته،إنما يدلّ حتماً على تعطشه للحريّة التامة وعدم ربط وطنه بالوطن الإيراني على عكس ما تدّعيه الدولة الإيرانيّة بأن الأحواز جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الإيرانيّة،حتى وان كانت تميّز بشكل واضح بين المواطن الأحوازي والمستوطن الفارسي في الإقليم. إذ أن هذه الدولة لم تمنح يوماً شعور المواطنة للمواطن الأحوازي،فظـلـّت تعامله لا على أساس انه مواطن إيراني،بل على أساس انه عدو يجب قتله.

 

وهذا السلوك العدائي من قبل الدولة الإيرانيّة،ولـّد شعوراً لدى المواطن الأحوازي بأنه لا يمكن أن يكون إيرانياً يوماً من الأيام،الأمر الذي يتنافى تماماً مع الفيدراليّة التي تعني الانضمام الطوعي إلى الدولة المركزيّة في طهران،ومن شأنها المساهمة في تشتيت الروح الوطنيّة لدى المواطن الأحوازي مع اتساع رقعة الوطن المزعوم أو شبه الوطن،لتشمل على سبيل المثال كل من أصفهان وشيراز وطهران ويزد وأردبيل ورفسنجان،أي المدن التي ساهمت في تقتيل الأحوازيين وتجويعهم وإبادتهم، فسلبت منهم حتى مياه الشرب بغية تجفيف الأنهر الأحوازية.

 

ونخلص إلى القول أن أي عمل وطني،ينبغي أن لا يسير عكس رغبة الشعب العربي الأحوازي وتطلعاته نحو الحق في تقرير المصير،ومطالباته المستمرة باختيار نوع وشكل الحكم الذي يرتضيه،على أن يستجيب هذا الحكم إلى مفهومي الحرية والسيادة التي ناضل الأحوازيين في سبيلها بشجاعة واستبسال طيلة أكثر من ثمانية عقود.

 

07/01/2008