التنمية الشاملة والقوة العسكرية في الخليج العربي

 

 عمر عبد القادر

 

 

بعد التغيرات التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط عام 2003 م و الاختلال الذي حدث في توازن القوى لصالح إيران يجدر بدول مجلس تعاون الخليج العربي التفكير بأمنها الإقليمي و أن لا تبقى أسيرة الوعود و التطمينات الزائفة من هذا وذاك, ففي السياسة صديق اليوم قد يكون عدوا  في الغد عندما تقتضي المصلحة.

    ما تمتلكه دول مجلس التعاون من ثقل اقتصادي مهم في العالم يخولها أن تكون أكثر مما هي عليه الآن و يجعلها صاحبة  تأثير في القرارات التي تتخذ في الساحة الدولية و الإقليمية.  إن ما يعوز دول مجلس تعاون الخليج العربي هو التنسيق السياسي فيما بينها لامتلاك القوة العسكرية المشتركة القادرة على صد الاعتداءات الخارجية و الرد المناسب في الوقت المناسب . الشعب العربي في الدول الخليجية اليوم حسب تقدير الكثير من المراقبين للشأن الخليجي لا يعوزه رفاهية اقتصادية أو اجتماعية و كل ما يفتقده هو الإحساس بالأمن و الاطمئنان على مستقبله ومستقبل أجياله الآتية .  فالتخوف الأمني  للشعب الخليجي من المستقبل بسبب الإحساس بعدم القدرة  الذاتي على صد الاعتداءات الخارجية  هو الذي يزعزع الاستقرار و يعيق تنمية البلاد الحقيقية من أجل الخروج من الاستهلاكية و الوصول إلى مستوى الإنتاجية و التصدير.    

      لذلك في حال تم  توظيف جزء يسير من ثرواتها الاقتصادية لصالح القوة العسكرية و بناء مؤسسات للتصنيع العسكري على قبيل ما تفعله الكثير من دول العالم و من بينها إيران فهذا يجعلها أكثر قدرة و أكثر استقرارا . إن الاهتمام بالقدرة العسكرية لا يعني إهمال الأوضاع المعيشية للمواطنين و أيضا لا يعني التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو المساهمة في زيادة التوتر في المنطقة مثل ما تفعله إيران. فالاهتمام الملحوظ  بمستقبل المواطنين في دول مجلس تعاون دول الخليج لا يقتصر على التنمية الاقتصادية و الرفاهية  فقط ، بل حتى تكون هذه التنمية شاملة يجب أن تشمل بالإضافة إلى التنمية الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية ، التنمية العسكرية أيضا. و من أجل النهوض بالشعب العربي الخليجي الذي أثبت جدارته و كفاءته في جميع المجالات إلى مستوى أرقى يجب أن يتحقق له الأمن ذاتيا وذلك من خلال بناء قوة ردع فاعلة. لذلك في حال تم الاهتمام بتنمية شاملة في الدول الخليجية  ستفعل طاقاتها و توظف إمكانياتها الهائلة وستكون في صف الدول المتقدمة بكل تأكيد. و لو تحركت القيادات الخليجية باتجاه  بناء قدرة عسكرية قوية ستعيد الثقة الضرورية عند المواطن الخليجي لمواجهة جميع التحديات و الأخطار التي تحيط به وهذا العمل سيساهم في نمو و تطور البلاد و يكشف صورة مشرقة أخرى أمام المواطن الخليجي و يفتح باب التفاؤل أمامه أكثر وأكثر.

     إن منطقة الخليج العربي بعد الطفرة الاقتصادية التي حدثت فيها بسبب اكتشاف البترول أصبحت أكثر من أي زمن آخر محط  أنظار الطامعين في ثرواتها الاقتصادية و في موقعها الاستراتيجي. لذلك إذا لم تتمكن القيادات الخليجية من بناء  قدرة عسكرية قوية قائمة على أسس ذاتية تستطيع من خلالها الدفاع عن مواطنيها و عن مصالحهم فستكون دائما هذه الدول مهددة من قبل الدول الطامعة بثرواتها وهي كثيرة جدا. كما أن انفراد إيران في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها تمتلك قوة عسكرية كبيرة يشكل خطرا فعليا على الأمن الإقليمي الخليجي .

  تمتلك دول الخليج العربي الكثير من الموارد الاقتصادية التي تمكنها بناء قدرة عسكرية قوية و أيضا وجود الطاقات البشرية في الخليج العربي لو اجتمعت قد  يسهل أمامها الطريق لإنجاز هذا العمل الوطني, كما بإمكان الدول الخليجية أن تستفيد من الطاقات البشرية اليمنية. فمنطقة الجزيرة العربية من حيث الموارد البشرية و الاقتصادية غنية و بإمكانها أن تبني لها ترسانة وقوة عسكرية قد تكون الأقوى في منطقتنا و هذا العمل بدوره سيصب في  مصلحة شعبها .

     إن امتلاك دول مجلس التعاون القدرة العسكرية القوية يمكن الحكومات الخليجية الدفاع عن المواطنين إذا دعت الضرورة , و سيزيد مستوى تأثيرها في الساحة الإقليمية و الدولية , و لكن من الأفضل أن تكون قدرتها العسكرية غير مرتبطة عضويا بدول أخرى فالارتباط العضوي للقدرة العسكرية بدول ما يقلل من فاعليتها بسبب عدم امتلاكها القرار و يجعلها رهنا بالتطورات الدولية و خاضعة للقرارات الخارجية .

    أيضا من حق الشعب الخليجي أن يحصن نفسه أكثر و لا ينسى وجود إيران جارة تملك ترسانة عسكرية قوية و تسعى لامتلاك القنبلة النووية ،  فإن لم تكن اليوم غدا بالتأكيد قد تمثل أكبر خطر و تهديد على الأمن الإقليمي الخليجي لأن إيران لها مشروع توسعي من خلاله تريد إعادة إمبراطوريتها القديمة و الواقع الفعلي يسند هذا الكلام فإيران احتلت الأحواز و الجزر الإماراتية و مازالت هذه الأراضي هي و شعبها تقبع تحت الاحتلال الإيراني وتدعي بالبحرين وتسمي دولة الكويت بمنطقة الكويت ومن داخل الكويت و أيضا لإيران دور بارز في ما يحدث من إرهاب و عدم استقرار في العراق  و الكثير من الأدوار التي تشكل خطرا على العرب تلعبها من خلال عناصرها المزروعة في الدول العربية.

 هذا الجزء البسيط من  الحقائق  و غيرها يجعل من الحكمة أن تأخذ القيادات الخليجية  الحذر من وجود إيران الجارة القوية صاحبة المشروع التوسعي و من الحكمة أيضا  أن تزيد من اهتمامها  بالأمن الخليجي  و تسعى لامتلاك مصانع عسكرية و ترسانة عسكرية قادرة على صد الهجمات الخارجية لتهيئ لشعبها الظروف الملائمة للعيش على أفضل ما يكون. فلا تنمية شاملة دون قوة ردع ودفاع تدافع عنها من أجل استقرارها، ولكم في تذبذب بورصات الخليج  نتيجة التوترات   عبرة.

 

 

 

                                   عمر عبدالقادر  layth1925@yahoo.com